أبحاث

سوريا. عن فائدة البرلمان في ظل الديكتاتورية/ إليزابيث بيكار

ترجم هذا المقال من الفرنسية حميد العربي.

ما الفائدة اليوم من الاهتمام بمجلس الشعب السوري (البرلمان)، الذي تم تنظيم تجديده لفترة أربع سنوات من طرف نظام الأسد في تموز/يوليو 2020؟ فكون أن هذا النظام يتمسك بالروتين المؤسساتي يعود إلى استراتيجية لا يوقفها لا الواقع الانساني (منفى أو نزوح داخلي لأكثر من نصف سكان البلاد الفارين من الأماكن المدمرة) ولا البداهة السياسية.

جعلت القيادة السورية، “الترامبية” قبل الوقت، من الـ“كما لو” (كما لو أن الوضع لم يتغير)

1

نموذجًا فكريا لإدارتها للبلد. بالفعل، كان واضحا منذ السبعينيات أن مجلس الشعب مجرد مسرح يسمح للسلطات باستعراض نفسها وسرد خرافاتها عن طريق استعمال الوعود تارة والوعيد تارة أخرى.

ومع ذلك، فإذا كان البرلمان مجرد ديكور، فإن البرلمانيين يمثلون مستوى وسيط (بين السلطة والمجتمع) في هيكل السلطة في سوريا. أو وفق تعبير زياد عواد وأنياس فافييه، اللذان ألّفا

دراسة رائعة عن انتخابات 2020،

https://medirections.com/index.php/2/syria/2020-10-19-07-20-02

فإنهم تعبير عن تشكيل هياكل السلطة. فهم أفراد حقيقيون، وهم، عن قصد أو غير قصد، عامل في الديناميكيات التي تنسج البلد. ومن هنا يأتي الاهتمام بهويات الممثلين المنتخبين في عام 2020.

لا تهدف هذه الدراسة إلى تقديم عرض عن العملية الانتخابية، كما أنها ليست متابعة لعمل المنتخبين خلال الفترة التشريعية. فهي تتمثل في عملية جمع دقيقة، والأكمل قدر الإمكان، للخصائص الفردية للأعضاء المنتخبين حديثًا، وفق مقاربة مبنية على المقارنة. وتسمح منهجيتها الدقيقة للمؤلفين بإحداث تقدم ملحوظ في مجال معرفة طبيعة وسير السياسة في سوريا “ما بعد الحرب”. فمن خلال التحرر من غموض نظام انتخابي بائد لم يعد يخفي وهن حزب البعث، فهما يكشفان عن تأثير بعض شخصيات النظام وعن الأهمية المتنامية للمقاولين الجدد الذين صاروا ضروريين بالنسبة له. وأخيرًا، فهما يستعرضان التغييرات المهمة التي حصلت في التمثيل البرلماني وهي صدى للتحولات الجذرية في المشهد البشري في سوريا.

المسكوت عنه في الهندسة الانتخابية

لا شك أن المعلومات عن الحياة السياسية السورية قد أثريت بشكل واسع في السنوات الأخيرة. فالتحقيق الذي أجراه فولكر بيرثيس سنة 1990،

https://merip.org/1992/01/syrias-parliamentary-elections/

والذي استند إلى تفحص الصحافة وإلى لقاءات مع شخصيات في السلطة والمعارضة، كان يركز على حالات نموذجية وإيضاحية.

قام عواد وفافييه بعملية تقاطع بين مصادر متعددة، كالتصريحات الرسمية لأعضاء اللجنة القانونية العليا للانتخابات، والجريدة الرسمية، ومنشورات حزب البعث بما في ذلك الجهوية والمحلية، وكتابات ومواقع شخصية لمنتخبين وغيرهم من المترشحين وعلى وجه الخصوص صفحاتهم على الفيسبوك، ومواقع إلكترونية لوزارات ونقابات وغرف تجارية ووسائل إعلام رسمية ومعارضة ومن الخارج، ناهيك عن تسعين مقابلة وحوار. وقد وضعا دراستهما في منظور من خلال رسم مقارنات بين المترشحين غير المنتخبين وأولئك الذين تم انتخابهم في المجالس التشريعية السابقة، وعلى الخصوص سنة 2007 – آخر المنتخبين قبل اندلاع الثورة – وأولئك الذين انتخبوا سنة 2016. كما قاموا بإدراجها ضمن زمن طويل من الحياة البرلمانية في ظل نظام آل الأسد منذ عام 1973.

وقد أنتجا بالتالي مجموعة واسعة التنوع من البيانات عن 250 منتخبًا في عام 2020: تاريخ ومكان الميلاد؛ التعليم والشهادات؛ المهنة؛ الانتماء السياسي والنقابي والمؤسساتي؛ المسار العام؛ النشاط الاقتصادي؛ الروابط العشائرية والطائفية (العرقية و/أو المذهبية) والجهوية والموقع والوظيفة داخل مراكز السلطة، إلخ.

ومع ذلك، لا يقدم المؤلفان دليلاً عن البرلمانيين، سواء كان أبجديًا أو مصنفًا حسب المحافظة أو الحزب السياسي، كما يجري الأمر تقليديا. لقد أحدث التدمير والتهجير القسري للسكان فجوة ضخمة بين “البلد الحقيقي” و“البلد القانوني”، ما جعل هذه التصنيفات الشكلية غير ملائمة. لذلك عمل عواد وفافييه على بناء تصنيفات أخرى أقرب ما يمكن إلى الواقع. وعلى وجه الخصوص، عبر تقديم إحاطة عن تمثيل جماعات الهوية المعينة في البرلمان وإبراز الانتماءات الاجتماعية والمهنية ومجال النشاط لدى الأعضاء المنتخبين الجدد والذي يفسر نجاحهم الانتخابي.

نحن بعيدون عن أن نجد في هذه التصنيفات جميع أعضاء البرلمان. ولكن يوجد بعضهم في عدة جداول مخصصة لتوثيق أحد المواضيع التي تناولتها الدراسة: وجود أعضاء من الجناح المسلح لحزب البعث في البرلمان الجديد، عسكريون سابقون أو أعضاء الميليشيات، رجال أعمال، مقربون من مراكز السلطة الإيرانية…

لا شك أنه يمكن تعديل وإثراء قاعدة البيانات هذه. وبقدر ما تصير أكثر اكتمالاً، بقدر ما تصبح الدلائل أقوى وتتضح بصفة أكبر العمليات المنفذة لتحقيق هذه النتيجة، وبقدر ما يصير الناخبون والمراقبون أكثر يقظة في المستقبل…

قراءة لمشهد برلماني مدمر

توفر الدراسة في حالها هذه أداة مبتكرة للتحليل وتسمح للمؤلفين باقتراح مسارات بحث متعمقة حول العديد من المواضيع الهامة وقبل كل شيء التلاعب بحزب البعث الضعيف.

مثلما كان الحال في الانتخابات التشريعية السابقة، عُهدت عملية التحضير إلى حزب البعث. وهو الحزب الذي دعاه بشار الأسد إلى “تجديد نفسه” في تدخله الملفت خلال مؤتمره العاشر عام 2005. بعد ويلات الحرب والتعديل الدستوري لعام 2012 الذي ألغى احتكار البعث داخل الدولة، لا يزال الرئيس يسعى لاستخدام الحزب لتأطير وإدارة المجتمع. وقد تم اختيار المرشحين للمقاعد التي سيفوز بها الحزب (167 من أصل 250) من خلال تصويت منظم بين المناضلين.

يبرز وصف المساومات التي أحاطت بمسار “الانتخابات التمهيدية” داخليا ونسبة المشاركة المقدرة من قبل المؤلفين بـ 2.5٪ من أعضائها المسجلين، الكثير عن وهنه وانهياره. إذ يظهر عواد وفافييه على وجه الخصوص المفارقة المتزايدة بين قواعد القانون المزمع تطبيقها على الانتخابات البرلمانية والممارسات الفعلية في اختيار المرشحين والمنتخبين. فخلال خمسين عامًا، كانت التحولات الاجتماعية للمجتمع السوري جد كبيرة إلى درجة أن “العمال” الذين خصصت لهم من حيث المبدأ القائمة “أ” – أي نصف المقاعد – لم يعودوا حصريا عمالًا أو فلاحين أو حتى موظفين في القطاع العام. بل صار ضمن القائمة وبعدد كبير أصحاب مهن حرة وحتى مقاولون. لقد تحول التمييز الشكلي بين قائمة المرشحين (أ) والقائمة (ب) إلى مجرد أداة للتلاعب بالانتخابات.

ينطبق نفس الأمر بخصوص التمييز بين منتخبي حزب البعث وحلفائه من “الجبهة الوطنية التقدمية”

2

من جهة، والمنتخبين “المستقلين” وعددهم 67

3

من جهة أخرى. يتأرجح تشكيل القوائم حتى اللحظة الأخيرة ويهاجر المرشحون وفق الفرص. ويتميز العديد من الأعضاء المنتخبين حديثًا والذين يشكلون 68.8٪ من حصة البعث في البرلمان بسلوك متقلب ومسار عسكري حديث العهد.

قبل بضع سنوات، إن لم يكن قبل بضعة أشهر، كان هؤلاء النواب الجدد عسكريين ومقاتلي ميليشيات أو رجال أعمال، ولا شيء يشير بأنهم لم يعودوا كذلك… من الواضح أن الصفة الحزبية ليست هي الأهم، بل مدى قرب المرشح من السلطة والرساميل المادية والاجتماعية والرمزية التي يحملها. يمثل حزب البعث بالنسبة للنظام أداة للسيطرة والاختيار. أما بالنسبة لرجال الأعمال والمسلحين الطموحين والباحثين عن تحول مدني، فهو طريق للوصول إلى دوائر السلطة – وذلك أبعد ما يكون عن مهمته التاريخية.

اقتصاد سياسي لنظام مسلح

في المقابل، فإن مصطلح “المستقل” يغطي أوضاعًا مختلفة وعلاقات غير متجانسة مع الأحزاب الرسمية. وما يهم هو طبيعة ومتانة العلاقة التي يتم ربطها بين أحد أقطاب السلطة المؤثرين والمترشح. إلى درجة أن للنظام ممثلين منتخبين مخلصين من بين “المستقلين” وكذلك في الجبهة الوطنية التقدمية. وتمثلت إحدى طرق ضمان ذلك في إتاحة الوصول إلى مجلس الشعب لرجال قاتلوا من أجله أو على الأقل إلى جانبه: 8 قادة سابقين في ميليشيا البعث و16 عسكريا وضابط شرطة متقاعدين. فضلا عن ذلك، عند تفحص السير الذاتية للمنتخبين الجدد الذين يقدمون أنفسهم على أنهم قادمون من المجال المدني، نجد أن ما لا يقل عن ستة منهم لديهم أيضًا مسار “الرجل المسلح” –

مما يزيد في عسكرة البرلمان.

https://www.mei.edu/publications/syrias-2020-parliamentary-elections-worst-joke-yet

وتمثلت الطريقة الأخرى في قطع الطريق أمام الرجال الذين لم يعد ولاءهم ثابتًا أو رجال تقلصت فائدتهم. وبالتالي، فإن استبدال النواب المنتمين إلى النخبة الدينية أو القبلية من المذهب السني بشخصيات جديدة، أصغر عمرا على الخصوص، يسمح بإحكام القبضة الديكتاتورية للقادة على الكوادر الوسطى للنظام بعد انتهاء الحرب. ويمكن ملاحظة وجود استراتيجيات مماثلة في آسيا الوسطى وأفريقيا الاستوائية.

لا يحلل المؤلفان الحصة الأسدية الممنوحة لرجال الأعمال في مجلس الشعب لعام 2020 – 43 منتخبًا – على أنها إشارة لتبعية النظام تجاههم (حتى وان كان اغلبهم يجنون فوائد كبيرة من تواصلهم مع رأس الدولة)، بل ينظر إليهم على أنهم مشاركون في استراتيجية الافتراس التي يمارسها القادة في حرب يواصلونها الآن “بوسائل أخرى”. ويؤكد سقوط رامي مخلوف، الذي اعتُقد أحيانا بأن كونه “أمين صندوق النظام” فهو أيضا قائده الخفي، هذا التعنت إلى أبعد الحدود والذي تشكل عقلانيته

تحديا للواقع الاجتماعي والاقتصادي.

https://cadmus.eui.eu/handle/1814/67027

من الأمور المثمرة بشكل خاص في هذه الدراسة تحديد المجالات الأربعة الرئيسية لنشاط رجال الأعمال هؤلاء، لأن هذه المجالات أكثر من مجرد واجهة للنظام. فهي المساحة التي تتشكل فيها الروابط بين السلطة السياسية والقوة الاقتصادية في سوريا. يُبرز عواد وفافييه طغيان الصناعات الغذائية وقطاع العقارات والأراضي والأنشطة المصرفية والاتجار المالي، وأخيراً التهريب – النفط والمخدرات والأسلحة على وجه الخصوص.

يلخص العمود 6 من الجدول 3 المخصص لمجالات نشاط وأعمال هؤلاء المنتخبين ما هو الاقتصاد السياسي للسلطة السورية خلال الحرب وفي فترة ما بعد الحرب: اقتصاد يفضل التداول على حساب الإنتاج والعمال غير المؤهلين؛ اقتصاد يخضع لقرارات سياسية- من خلال تشريع مكثف بالمراسيم يتم تطبيقه من قبل جهاز قضائي مأمور- ويستخدم القطاع الاجتماعي كمصدر للربح وخزان للزبائن… تواجه هنا العديد من اللجان الدولية، ولا سيما تلك التي تتخصص في تبني وتنفيذ عقوبات ضد الأنظمة المارقة، حالة تعد نموذجية حتى وإن لم تكن استثنائية.

إعادة تشكيل الأقاليم

تعج الدراسة بالمعلومات وسبل عديدة للتحليل. وهكذا الحال بخصوص آثار الرعاية التي توفرها زعامات النظام، أو العدد المتدني والمتراجع للنساء في مجلس الشعب، وانتماء معظمهن إلى فئة المنتخبين البعثيين والمتحالفين مع البعث. فضلا عن التأكيد على البعد الاجتماعي الأبوي – كلهن تقريبًا زوجات وأرامل وبنات وأخوات مناضلين ومقاتلين – تبرز هذه الملاحظة كيفيات سيطرة ورعاية النظام.

ويخصص الجزء الثاني -المهم بالنسبة لتداعياته المستقبلية- للتغيرات في التمثيل البرلماني من حيث التوازنات العرقية والدينية. انخفضت نسبة النواب السُّنة (وهي الطائفة ذات الأغلبية) من 76٪ في عام 2007 إلى 65٪ في عام 2020. ويبرز عواد وفافييه عملية تهميش ممثلي السّنّة. يضاف إلى ذلك على الأرجح انخفاض نسبة المشاركة لدى السنّة في الانتخابات بسبب التأثيرات المشتركة لنفيهم المكثف نحو الدول المجاورة واستياء السكان الأكراد والاستمرار المتواتر للحرب. وتشير النتائج الرسمية إلى نسبة مشاركة إجمالية بـ 33٪ ويمكن مقارنة ذلك بعام 2016 حيث وصلت إلى 57.56٪.

ولكن الأمر يتعلق بوضوح بإعادة توزيع تمثيل النظام بين الطوائف العرقية والدينية بغض النظر عن تراجع نسبة المشاركة الانتخابية وتهميش “الحلقات الضعيفة” في سلسلة السلطة… مثال: لا يشكل الآن المسيحيون من جميع المذاهب الذين فروا من الحرب ولجؤوا إلى أوروبا والأمريكيتين سوى 2٪ إلى 3٪ من السكان المقيمين في سوريا. مع ذلك، ارتفع عدد المسيحيين المنتخبين في مجلس الشعب من 15 (5.9٪) في 2007 إلى 20 (8٪) عام 2020. عدد المنتخبين العلويين أكثر دلالة: 32 (12.8٪) في 2007 و44 (17.6٪) في 2020. انتقل عددهم في محافظة اللاذقية من 10 منتخبين في 2007 إلى 17 في 2020. وفي حمص ارتفع من 7 إلى 13. قد يظهر مسح خرائطي دقيق تأثير التغيرات المحلية على تركيبة البرلمان في الهيمنة الحزبية على المجتمع السوري..

لأن هذا التغيير في الساحة السياسية يتبع ويرافق إعادة تشكيل من خلال حرب الأقاليم والفئات الاجتماعية في المجال الوطني. هذه الهندسة التي يتم تنفيذها لها تسمية في مفردات الرئيس السوري:

“تحصين جهاز المناعة لمحاربة البكتيريا”.

ولها تسمية أخرى في العلوم الاجتماعية: التطهير العرقي. يجب دراستها دون الخلط بين توصيف المجتمع السوري كمجتمع طائفي في جوهره وتنفيذ استراتيجية طائفية من طرف النظام.

من خلال الكشف عن “تشكيل هياكل السلطة” في سوريا، تدعو دراسة عواد وفافييه التاريخ والأنثروبولوجيا والجغرافيا الاقتصادية وتخصصات العلوم الاجتماعية الأخرى إلى التعمق في معاني وتداعيات انتخابات تبدو ظاهريا بدون رهانات كبيرة.

مديرة أبحاث في المركز الوطني للبحث العلمي ومعهد البحوث والدراسات حول العالم العربي والإسلامي.

—————————

انتخابات مجلس الشعب السوري ٢٠٢٠: نحو انكماش القاعدة الاجتماعية للنظام/ الكاتب: زياد عواد وأغنيس فافييه

تحرير: فريق دوكستريم

ملخّص تنفيذي

في ظل أزمة اقتصادية غير مسبوقة، أُجريت انتخابات مجلس الشعب السوري في تموز 2020 بعد أن تأجلت مرتين عن موعدها السابق احترازاً من تفشي جائحة كورونا. وبالرغم من أن شعارات الحملة الانتخابية التي أطلقها المرشحون، لا سيما المستقلون منهم، تركزت حول الهم الاقتصادي، واقترنت بمساهمات خيرية دعائية من المرشحين، إلا أنها لم تجعل الانتخابات محل اهتمام لدى أغلبية السكان في مناطق سيطرة النظام.

وكما المعتاد، سيطر حزب البعث على أغلبية المقاعد في المجلس المتشكل، وبحضور ضئيل إلى جانبه تمثلت بعض الأحزاب الهامشية المتحالفة معه ضمن ما يعرف بالجبهة الوطنية التقدمية التي يقودها البعث نفسه، في حين احتل المستقلون المرتبة الثانية من حيث عدد المقاعد بعد أعضاء البعث، مع التذكير بأن الفرز على أساس الانتماء السياسي لا يُحيل إلى معانٍ سياسية متباينة في الموقف تجاه النظام، فالولاء له شرط بديهي يجب أن يتحقق في حالة جميع الأعضاء الـ٢٥٠ بل وحالة جميع المرشحين.

بالرغم من احتفاظ حزب البعث باحتكار العدد الأكبر من مقاعد مجلس الشعب، إلا أن الانتخابات أظهرت عجز قيادته عن إحياء الحزب كأداة سياسية فاعلة وقادرة بقواها الذاتية على التأثير. فقد كشفت تجربة الانتخابات التمهيدية لاختيار مرشحي الحزب ضآلة المشاركة فيها، فضلاً عن اتهامات الفساد والاعتراضات الواسعة التي طالتها داخل الحزب من جهة، وعجز الحزب عن دفع الناس إلى التصويت وفق ما تثبت نسب المشاركة – الأدنى من أي انتخابات سابقة – من جهة أخرى. وأفرزت محاولات تجديد أعضاء مجلس الشعب المزيد من التناقضات، التي تجسدت باتساع الطيف العسكري وشبه العسكري في كتلة أعضاء الحزب (مع صعود الضباط المتقاعدين من الجيش والشرطة) وتصاعد تأثير رأس المال (مع المزيد من رجال الأعمال) وتأثير مراكز قوى خارج الحزب (مع دخول ناشطين في الحقل الخيري والتنموي مدعومين من أسماء الأسد)، ما خلق كتلاً غير متجانسة ضمن كتلة البعث النيابية التي تعبر إلى حد كبير عن واقع الحزب كله اليوم، ليبدو أضعف مما كان قبل اندلاع الثورة.

وفق المؤشرات التي أظهرتها الانتخابات، لم تكن مقاربة النظام نحو مُواليه واحدة، فبينما أبدى حرصاً واضحاً على تمثيل النخب التقليدية من الأقليات، وتمثيل الناشطين في قضايا جرحى الحرب وعائلات القتلى من الجنود منها، إلا أنه لم يكن مبالياً بتمثيل النخب التقليدية الموالية من العرب السنّة، حيث تناقص عدد شيوخ العشائر، وغاب التيار الديني السني نهائياً عن المجلس، رغم الأدوار التي ما يزال يؤديها القادة الرسميون لهذا التيار. ويبدو أن أثرياء الحرب وقادة الميليشيات والضباط المتقاعدين هم البديل الذي اختاره النظام ليقود الأوساط الموالية في المجتمعات العربية السنية في المناطق الخاضعة لسيطرته.

في وقت تراجعت فيه حدة النزاع المسلح وتصاعدت التحديات الاقتصادية، عكست نتائج الانتخابات سعي النظام لتوسيع شراكته مع أثرياء الحرب، الذين أضفوا على مجلس الشعب ٢٠٢٠ صبغة أموال الحرب. فقد تزايد عدد رجال الأعمال إلى ٤٣ عضواً في دورة ٢٠٢٠، بينهم ٣٠ يدخلونه لأول مرة. ومع استبعاد رجال أعمال بارزين في دمشق وحلب، لم يكن معظم رجال الأعمال الفائزين يحظون بشهرة واسعة في وسط الأعمال قبل ٢٠١١ أو قبل وصولهم إلى مجلس الشعب، فقد راكم هؤلاء ثرواتهم أو الجزء الأكبر منها خلال الحرب، بالاتكاء على العلاقات الوثيقة التي تربطهم بمراكز القرار في دوائر النظام، ومن خلال العمل بأربعة مجالات رئيسية غير منتجة ازدهرت في ظل الحرب، هي أعمال التهريب، ومقاولات البناء وتجارة الغذائيات، والوساطة المالية. وبالمقارنة مع الانتخابات السابقة عام ٢٠١٦، حين كان انخراط بعض رجال الأعمال في الأنشطة العسكرية والأمنية الرصيد الأهم الذي أهّلهم للوصول إلى مجلس الشعب، أصبحت الخدمات الاقتصادية التي قدمها الطامحون منهم بالفوز بعضوية مجلس ٢٠٢٠ في المقدمة. فقد شارك معظمهم في الحملات الوطنية التي أطلقتها الحكومة لمواجهة جائحة كورونا أو لدعم الليرة السورية، أو في تقديم الخدمات المتنوعة في مناطقهم، في وقت تعاني فيه مؤسسات الدولة من العجز عن تلبية الاحتياجات الأساسية للسكان. قد تشير الزيادة الكبيرة في تمثيل رجال الأعمال بمجلس ٢٠٢٠ إلى عزم النظام على إشراكهم في محاولات النجاة من تأثيرات الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

أخيراً، كشفت انتخابات ٢٠٢٠ عن جانب من التغيرات التي حدثت في الحلقة الحاكمة العليا المحيطة ببشار الأسد، فقد غاب عنها تأثير رجل الأعمال رامي مخلوف، ابن خال الأسد، وتصاعد بوضوح دور أسماء الأسد زوجة بشار، ولا سيما من خلال وصول ناشطين في الحقل الخيري والتنموي محسوبين عليها إلى المجلس، بالإضافة لانتخاب أو إعادة انتخاب أعضاء آخرين مرتبطين مباشرة بموظفي القصر الجمهوري أو بالزوجين الرئاسيين. وبرز تأثير أسماء الأسد في دوائر دمشق وطرطوس وريف دمشق على وجه خاص، في حين حافظ ماهر الأسد، شقيق بشار وقائد الفرقة الرابعة، على نفوذه بكتلة متجددة من التجار والمهربين المرتبطين بالشبكة الاقتصادية الخاصة بهذه الفرقة، وبما يتناسب مع خريطة انتشارها في ريف دمشق وأجزاء من محافظتي الرقة ودير الزور. وبأهداف ومصالح متنوعة، تجدد التدخل الإيراني، حيث تلقى ما لا يقل عن ١١ عضواً دعماً واضحاً من الإيرانيين لدخولهم مجلس الشعب عام ٢٠٢٠ (ليصعد من ٨ أعضاء تقريباً في دورة ٢٠١٦). وتركز التأثير الإيراني في المناطق المحاذية لنهر الفرات، في دائرة مناطق حلب خصوصاً ثم الرقة ودير الزور شمال شرقي البلاد.

للإطلاع على كامل التقرير البحثي

https://medirections.com/images/dox/The-2020-Syrian-Peoples-Council.pdf

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى